الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

103

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ، وتقدم في قوله تعالى : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الآية [ 95 ] في سورة النساء . وأما من ذهب من علماء الأصول إلى تعميم نحو لا يَسْتَوُونَ من قوله تعالى : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [ السجدة : 18 ] فاستدلّوا به على أن الفاسق لا يلي ولاية النكاح ، وهو استدلال الشافعية فليس ذلك بمرضي ، وقد أباه الحنفية ووافقهم تاج الدين السبكي في غير « جمع الجوامع » . والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ قصر ادعائي لأن فوزهم أبديّ فاعتبر فوز غيرهم ببعض أمور الدنيا كالعدم . [ 21 ] [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 21 ] لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) لما حذّر المسلمين من الوقوع في مهواة نسيان اللّه التي وقع فيها الفاسقون ، وتوعد الدين نسوا اللّه بالنار ، وبيّن حالهم بأن الشيطان سوّل لهم الكفر . وكان القرآن دالا على مسالك الخير ومحذّرا من مسالك الشر ، وما وقع الفاسقون في الهلكة إلا من جراء إهمالهم التدبر فيه ، وذلك من نسيانهم اللّه تعالى انتقل الكلام إلى التنويه بالقرآن وهديه البيّن الذي لا يصرف الناس عنه إلا أهواؤهم ومكابرتهم ، وكان إعراضهم عنه أصل استمرار ضلالهم وشركهم ، ضرب لهم هذا المثل تعجيبا من تصلبهم في الضلال . وفي هذا الانتقال إيذان بانتهاء السورة لأنه انتقال بعد طول الكلام في غرض فتح قرى اليهود وما ينال المنافقين من جرّائه من خسران في الدنيا والآخرة . و هذَا الْقُرْآنَ إشارة إلى المقدار الذي نزل منه ، وهو ما عرفوه وتلوه وسمعوا تلاوته . وفائدة الإتيان باسم إشارة القريب التعريض لهم بأن القرآن غير بعيد عنهم . وأنه في متناولهم ولا كلفة عليهم في تدبره ولكنهم قصدوا الإعراض عنه . وهذا مثل ساقه اللّه تعالى كما دلّ عليه قوله : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ إلخ . وقد ضرب هذا مثلا لقسوة الذين نسوا اللّه وانتفاء تأثرهم بقوارع القرآن . والمراد بالجبل : حقيقته ، لأن الكلام فرض وتقدير كما هو مقتضى لَوْ أن تجيء